خالد عبد الرحمن العك
11
تسهيل الوصول إلى معرفة أسباب النزول
- من - هنا للشرط أشكل عليه كيف يكون الجور في الحكم كفرا ، ثم إذا علم أن سبب النزول هم اليهود ، علم أن - من - موصولة ، وعلم أن الذين تركوا الحكم بالإنجيل لا يتعجب منهم أن يكفروا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم . وكذلك حديث عبد اللّه بن مسعود ، قال : لما نزل قوله تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [ سورة الأنعام ، الآية : 82 ] ، شق ذلك على أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقالوا : أينا لم يلبس إيمانه بظلم ، ظنوا أن الظلم هو المعصية ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنه ليس بذلك ألا تسمع قول لقمان لابنه : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ( 13 ) [ سورة لقمان ، الآية : 13 ] « 1 » . هذا وإن القرآن كتاب جاء لهداية الأمم ، والتشريع لها ، وهذا الهدي قد يكون واردا قبل الحاجة إليه ، وقد يكون نازلا عند الحاجة ، وقد يكون مخاطبا به قوما على وجه الزجر أو الثناء أو غيرهما ، وقد يكون مخاطبا له جميع من يصلح لخطابه . وهو في جميع ذلك قد جاء بكليات تشريعية وتهذيبية ؛ والحكمة في ذلك أن يكون وعي الأمة لدينها سهلا عليها ، وليمكن تواتر الدين ، وليكون لعلماء الأمة مزية الاستنباط ، وإلا فإن اللّه سبحانه قادر أن يجعل القرآن أضعافا لما أنزل ، وأن يطيل عمر النبي صلى اللّه عليه وسلم للتشريع ، أكثر مما أطال عمر إبراهيم وموسى ، ولذلك قال اللّه عز وجل : وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [ سورة المائدة ، الآية : 3 ] ، فكما لا يجوز حمل كلماته على خصوصيات جزئية ؛ لأن ذلك يبطل مراد اللّه تعالى ، كذلك لا يجوز تعميم ما قصد منه الخصوص ، ولا إطلاق ما قصد منه التقييد ؛ لأن ذلك قد يفضي إلى التخليط في المراد ، أو إلى إبطاله من أصله . وثمة فائدة عظيمة لأسباب النزول ، وهي أن في نزول القرآن عند حدوث حوادث ، دلالة على إعجازه من ناحية الارتجال ، وهي إحدى طريقتين لبلغاء العرب في أقوالهم ، فنزوله على حوادث يقطع دعوى الذين ادعوا أنّه أساطير الأولين . ويضيف الإمام الشاطبي في إيضاح مزايا معرفة أسباب التنزيل فيقول « 2 » : « معرفة أسباب التنزيل لازمة لمن أراد علم القرآن . والدليل على ذلك أمران :
--> ( 1 ) صحيح البخاري برقم 6918 ، وصحيح مسلم برقم 124 . ( 2 ) الإمام الشاطبي ، كتابه : الموافقات في أصول الشريعة ، ج 3 / 347 - 350 .